مؤلف مجهول
262
كتاب في الأخلاق والعرفان
من لا يندم على العطاء ويا من لا يكافئ عبده على السّواء ، هبتك ابتداء وعفوك تفضّل وعقوبتك عدل وقضاؤك خيرة ، إن أعطيت لم تشب عطاءك بمنّ وإن منعت لم يكن منعك تعدّيا ، تشكر من يشكرك وأنت ألهمته شكرك وتكافئ من حمدك وأنت علّمته حمدك ، تستر على من لو شئت فضحته وتجود على من لو شئت منعته ، وكلاهما منك أهل الفضيحة والمنع إلّا أنّك بنيت أفعالك على التفضّل وأجريت قدرتك على التّجاوز وتلقّيت من عصاك بالحلم وأمهلت من قصد لنفسه بالظّلم ، فتستظهرهم بأناتك إلى الإنابة وتترك معاجلتهم في التّوبة لكي لا يهلك عليك هالكهم ولئلّا يشقى بنقمتك شقيّهم إلّا عن طول الإعذار إليه وبعد ترادف الحجّة عليه كرما في فعلك يا كريم وعائدا من عطفك يا حليم . أنت الّذي فتحت لعبادك بابا إلى عفوك سمّيته التّوبة ، وجعلت على ذلك دليلا من وحيك لئلّا يضلّوا عليه ، فقلت : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ « 1 » فما عذر من أغفل دخول المنزل بعد فتح الباب وإقامة الدّليل ؟ وأنت الّذي زدت في السّوم على نفسك لعبادك تريد ربحهم في متاجرتك وفوزهم بالزّيادة عليك ، فقلت : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 2 » وقلت : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ « 3 » وما أنزلت من نظائر هنّ في القرآن وأنت الّذي دللتهم بقولك من غيبك الّذي فيه حظّهم على ما لو سترته لم تدركه أبصارهم ولم تضمّنه أسماعهم ولم تغص عليه أوهامهم ، فقلت : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ « 4 »
--> ( 1 ) . التّحريم : 8 . ( 2 ) . الأنعام : 161 . ( 3 ) . البقرة : 261 . ( 4 ) . البقرة : 152 .